محمد بيومي مهران

43

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

وأنه في حاجة مع العجز إلى شيء كثير من الحب ، فلو أن الكبار فهموا تلك العلاقة لما جعلوها عيبا في الأب « 1 » . وعلى أية حال ، فالآية ، كما في ظلال القرآن « 2 » ، لا تشير إلى علمهم برؤياه ، ولو كانوا قد علموا برؤياه لجاء ذكرها على ألسنتهم « 3 » ، ولكانت أدعى إلى أن تلهج ألسنتهم بالحقد عليه ، فما خافه يعقوب على يوسف لو قص رؤياه على إخوته قد تم عن طريق آخر ، وهو حقدهم عليه لإيثار أبيهم له ، ولم يكن بد أن يتم لأنه حلقة في سلسلة الرواية الكبرى المرسومة لتصل بيوسف إلى النهاية المرسومة ، والتي تمهد لها ظروف حياته وواقع أسرته ، ومجيئه لأبيه على كبره ، وأصغر الأبناء هم أحب الأبناء ، وبخاصة حين يكون الوالد في سن الكبر ، كما كان الحال مع يوسف وأخيه ، وإخوته من أمهات ، وهكذا بدأ الحقد يغلي في نفوس إخوة يوسف ، ويدخل الشيطان بينهم ، فيختل تقديرهم للواقع ، وتتضخم في حسهم أشياء صغيرة ، وتهون أحداث ضخام ، تهون الفعلة الشفعاء المتمثلة في إزهاق روح غلام برئ لا يملك دفعا عن نفسه ، وهو أخ لهم ، وهم أبناء نبيّ ، وإن لم يكونوا هم أنبياء ، يهون هذا ، وتتضخم في أعينهم حكاية إيثار أبيهم له بالحب ، حتى توازى القتل ، أكبر جرائم الأرض قاطبة ، بعد الشرك باللّه ، وهكذا دبروا له مكيدة ، كي يخلو لهم وجه أبيهم ، وأنجزوا خطتهم للتخلص منه ، بأن اقْتُلُوا يُوسُفَ

--> ( 1 ) محمد متولي الشعراوي : الفتاوى 10 / 71 - 74 ( بيروت 1982 ) . ( 2 ) في ظلال القرآن 4 / 1973 ( بيروت 1982 ) . ( 3 ) جاء في تاريخ ابن الأثير : أن امرأة يعقوب سمعت ما قال يوسف لأبيه ، فقال لها يعقوب : اكتمي ما قال يوسف ولا تخبري أولادك ، قالت نعم ، فلما أقبل أولاد يعقوب من الرعي أخبرتهم بالرؤيا ، فازدادوا حسدا وكراهة له وقالوا : ما عنى بالشمس غير أبينا ولا بالقمر غيرك ولا بالكواكب غيرنا ، إن ابن راحيل يريد أن يمتلك علينا ويقول : أنا سيدكم . ( الكامل 1 / 78 - 79 ) .